غزة 6-2-2026 وفا- محمد دهمان
لم يكن المرض هذه المرة مجرد وعكة صحية عابرة، بل تجربة قاسية كشفت هشاشة الواقع الصحي الذي يعيشه عشرات الآلاف من النازحين في خيام جنوب قطاع غزة.
قبل نحو أسبوعين، أُصبت بفيروس ينتشر على نطاق واسع بين سكان مخيم النازحين حيث أقطن، في ظل غياب أي معلومات دقيقة عن طبيعته؛ فلا أحد هناك يعلم إن كان متحورا جديدا من فيروس كورونا، أم الإنفلونزا الموسمية، أم أحد الفيروسات الأخرى غير المعروفة. غير أن المخيم بأكمله كان يعاني أعراضا متشابهة، داخل بيئة مكتظة تفتقر إلى أبسط شروط الوقاية والعزل.
وفي ساعات الليل، يشتد أنين النازحين، وتسمع أصوات سعالهم المتواصل المنبعث من داخل الخيام، وآهاتهم التي يفرضها الألم.
بدأت الأعراض بثقلٍ شديد في الرأس وصداعٍ لا ينقطع، ترافق مع نوبات حرارة وآلام في المفاصل، واحتقانٍ حاد في الحلق. ثم ما لبثت أن تطورت إلى سعلةٍ قاسية ومتواصلة، تُرهق الصدر وتُضاعف الألم في عضلات البطن، حتى شعرت وكأن فتقا داخليا قد يحدث من شدة الألم، إضافة إلى فقدانٍ كامل للشهية وتقيؤٍ متكرر عند محاولة تناول الطعام أو الشراب.
أمام هذا كله، بات النوم شبه مستحيل، والحركة مجهدة، وتحولت أبسط تفاصيل الحياة اليومية إلى عبءٍ ثقيل.
في الوقت ذاته، كانت زوجتي تعاني من أعراض مشابهة؛ حرارة، وإرهاق شديد، وسعال متواصل، ما ضاعف من صعوبة المشهد داخل الخيمة، حيث وجدنا أنفسنا نواجه المرض معا، في مساحة ضيقة لا تتوافر فيها مقومات الرعاية أو القدرة على العزل.
في الوقت ذاته، كانت زوجتي تعاني أعراضا مشابهة؛ حرارة مرتفعة، وإرهاقا شديدا، وسعالا متواصلا، ما ضاعف قسوة المشهد داخل الخيمة، إذ وجدنا أنفسنا نواجه المرض معا في مساحة ضيقة تفتقر إلى مقومات الرعاية والقدرة على العزل.
وسط هذا الواقع، حاولت ابنتاي، ديمة ودانا، تقديم ما استطاعتا داخل الخيمة. كانتا تُعدّان المشروبات الساخنة، وتُحاولان تشجيعنا على تناول القليل من الطعام، وتتابعان حالتنا بقلقٍ دائم. وجودهما شكّل دعما معنويا كبيرا، لكنه في الوقت ذاته كشف حجم المسؤولية الثقيلة التي تُلقى على كاهل الأطفال في حياة النزوح، حين يمرض الوالدان في بيئة تفتقر إلى أبسط وسائل العناية.
ومع اشتداد الأعراض، تحوّل الاحتياج المتكرر لاستخدام الحمّام إلى معاناة إضافية، لا سيما خلال ساعات الليل. ففي منطقة المواصي، يقع الحمّام خارج الخيمة، وهو مجرد هيكلٍ خشبي مغطّى بشادر بلاستيكي، بلا إنارة أو أي مقومات صحية، حيث تُستخدم المياه بطرق بدائية، في ظل غياب أدوات النظافة الأساسية، ومن دون أدنى رفاهية للشطّاف أو المستلزمات الصحية المعتادة.
كنت أضطر للخروج ليلا في البرد القارس، وأنا أقاوم السعال والإرهاق، مستعينا بكشاف الهاتف، وسط خوفٍ دائم من الحشرات والزواحف والقوارض، خاصة بعد تسجيل إصابات بين نازحين نتيجة لدغات في محيط المخيمات، في تلك اللحظات، كان المرض يتقاطع مع الخوف، ويُضاعف الإحساس بالعجز.
ومع تدهور حالتي الصحية، اصطحبني ابني أحمد إلى نقطة طبية للطوارئ تتبع لمنظمة أطباء بلا حدود، تقع على بُعد نحو نصف كيلومتر من مكان سكننا في منطقة المواصي بمحافظة خان يونس. وصلنا مساء، حيث كان عشرات المرضى ينتظرون دورهم في مساحة مفتوحة تفتقر إلى الخصوصية والتجهيزات الطبية الكافية. وبعد فحصٍ سريع وشرح الأعراض للطبيب، جرى إعطائي حقنا للتخفيف من السخونة والتقيؤ والألم.
تحسنت حالتي نسبيا خلال الأيام التالية، وتمكنت من النوم والراحة لبعض الوقت، في حين استمرت زوجتي في المعاناة من الأعراض ذاتها داخل الخيمة. غير أن هذا التحسن لم يدم طويلا؛ إذ عادت الأعراض بعد ثلاثة أيام بصورة أشد، ولا سيما السعلة وآلام الصدر، ما اضطرني إلى التوجه إلى صيدلية قريبة، حيث حصلت على أدوية بأسعار مرتفعة ساعدت في التخفيف من حدة الأعراض، خاصة أدوية الصدر. ويُذكر أنني أعاني من حساسية صدرية منذ الطفولة، وهو أمر شائع بين سكان غزة، ولا سيما القاطنين قرب الساحل، في ظل ارتفاع نسبة الرطوبة.
ورغم التحسن التدريجي، عادت الأعراض مجددا في اليوم التاسع بصورة أقسى، سواء لدي أو لدى زوجتي، ما دفعني إلى التوجه إلى المستشفى الكويتي. هناك، جرى إعطائي محاليل وريدية وحقنا وأدوية. وعند الاستفسار عن طبيعة الحالة، أوضح الطبيب أن فيروسات متعددة تنتشر في قطاع غزة، من دون قدرة على تحديدها بدقة، ويتم التعامل معها وفق بروتوكولات علاج كورونا والإنفلونزا، في ظل نقص الإمكانيات التشخيصية والعلاجية.
بعد نحو أسبوعين، بدأت أتماثل للشفاء تدريجيا، غير أن سلسلة العدوى لم تتوقف عند هذا الحد. فقد استمرت زوجتي في التعافي ببطء، فيما انتقل المرض إلى ابنتيّ، ديمة ودانا، اللتين كانتا تحاولان رعايتنا داخل الخيمة، في مساحة واحدة تفتقر إلى شروط العزل والوقاية، بما يعكس حجم المخاطر الصحية التي تواجهها العائلات النازحة.
إن هذه التجربة لا تمثل حالة فردية، بل تعكس واقعا صحيا بالغ الصعوبة يعيشه آلاف النازحين في مخيمات تفتقر إلى المياه النظيفة، والصرف الصحي الآمن، والخدمات الطبية الكافية.
ومع تفشي الفيروسات والأمراض، تصبح الحاجة ملحة إلى تدخل صحي عاجل، يبدأ بتعزيز النقاط الطبية داخل المخيمات، وتوفير فرق طبية متنقلة، وأدوية أساسية، ووسائل تشخيص مناسبة، إلى جانب تحسين خدمات المياه والصرف الصحي.
كما يتطلب الوضع الصحي في قطاع غزة عموما دعما عاجلا للمنظومة الصحية المنهكة، لضمان قدرة المستشفيات والمراكز الطبية على مواجهة موجات الأمراض المتزايدة، وحماية الفئات الأكثر هشاشة، لا سيما الأطفال وكبار السن والمرضى المزمنين، في ظل ظروف إنسانية بالغة القسوة.
ومنذ بدء العدوان على قطاع غزة في 7 تشرين الأول/ أكتوبر 2023، دمرت قوات الاحتلال 90% من المنشآت الصحية إما كليا أو جزئيا، وأخرجتها قسرا عن الخدمة، حيث ومن أصل 38 مستشفى، يعمل 18 مستشفى فقط بشكل جزئي وبقدرات استيعابية محدودة جدا، تتركز أغلبها في "المنطقة الوسطى" و"دير البلح"، بينما يعاني شمال غزة من انعدام شبه كامل للخدمات التخصصية.
كما استهدفت قوات الاحتلال الكوادر الطبية، بالقتل او الاعتقال أو الإصابات، حيث تجاوز عدد الشهداء من الكوادر الطبية (أطباء، ممرضين، مسعفين) 1,240 شهيدا.
وفيما يتعلق بمرضى الأورام والكلى، يواجه نحو 11,000 مريض سرطان الموت المحقق، نتيجة نفاد الأدوية الكيميائية، وتوقف أجهزة الإشعاع، كما تعاني مراكز غسيل الكلى من تعطل الأجهزة، ونقص الفلاتر والمحاليل.
وعن الأوبئة، سُجلت أكثر من 1.5 مليون حالة إصابة بأمراض معدية (التهاب كبد وبائي، نزلات معوية حادة، أمراض جلدية) نتيجة تدمير شبكات الصرف الصحي وتلوث المياه.
ويعاني نحو 18 ألف جريح ومريض الويلات نتيجة الإصابات والأمراض، وهم بحاجة ماسة للإجلاء للخارج، في حين لا تتجاوز نسبة من يسمح لهم بالمغادرة 1% من إجمالي المحتاجين شهرياً.
ـــ
م.د/ر.ح


