غزة 24-2-2026 وفا- صفاء البريم
في الليلة السابعة من رمضان، لم يكن الصمت الذي يسبق السحور في مواصي خان يونس هادئًا كما اعتادت العائلات أن تعيشه في شهر الصيام. كانت السماء تمطر بغزارة، والمطر لا يتسلل فقط فوق الخيام، بل إلى داخلها… ليختلط بالمفروشات القليلة وذكريات البيوت التي دُمرت تحت القصف.
داخل مخيم من الخيام المنصوبة على أرض رملية منخفضة، استيقظت العائلات على صوت قطرات المياه وهي ترتطم بأقمشة الخيام. حاول البعض الاستدراك سريعًا، فحفروا بأيديهم مجاري صغيرة لعلّها تصرف الماء بعيدا، لكن الأرض كانت أسرع في الامتلاء، والخيام أضعف من أن تحمي ساكنيها.
السيدة أمل القرا، التي نزحت من شرق خان يونس بعد أن فقدت منزلها، كانت تستعد للسحور مع أطفالها حين بدأ الماء يتسرب من أطراف الخيمة. تقول وهي تقف أمام ملابس مبللة معلّقة على حبل بين وتدين:
"حاولنا أن نُنقذ ما يمكن إنقاذه… لكن المطر غلبنا. هذه كل ملابسنا، وكنا نحتفظ بثياب نظيفة للصلاة في رمضان، والآن نحاول تجفيفها فوق موقد صغير والدخان يملأ الخيمة".
في خيمة أخرى، يجلس أبو إسماعيل (52 عامًا) على صندوق بلاستيكي مكسور، يراقب ابنه الصغير وهو يحاول إخراج المياه بكوبٍ صغير. يقول بصوت متعب: "الخيمة لا تحمي من البرد ولا من المطر. في الليل نضع أوعية لنجمع الماء المتساقط، ونقضي النهار صيامًا والليل في محاولة إنقاذ ما تبقّى".
أما أم سامر، التي نزحت مع أربعة أطفال من رفح، فتقف أمام طعام تبلّل بالكامل بعد تسرب المياه إلى خيمتها. تقول بحسرة: "جمعنا ثمن هذا الطعام بصعوبة. حين دخل المطر، لم نستطع إنقاذ شيء… تبلّل كل ما نملك من غذاء وملابس".
على جانب الخيام، تقف الطفلة مها (12 عامًا) حاملة فانوسًا بلا بطارية، تنظر إلى السماء وتقول: "أحب رمضان… لكن أتمنى أن يكون لدينا بيت لا تغرقه الأمطار مثل خيمتنا. اشتقتُ لبيتنا الذي دُمّر".
في هذه المنطقة الساحلية المنخفضة، حيث تفتقر الأرض إلى شبكات تصريف مياه الأمطار التي دُمّرت خلال الحرب، تتحول كل موجة مطر إلى عبء إضافي على آلاف العائلات النازحة. الرطوبة تتسلل إلى الأجساد، والبرد يضاعف معاناة الأطفال وكبار السن، بينما يبقى الأمل الوحيد هو التمسك بالحياة رغم القسوة.
هنا، في مواصي خان يونس، لا يُختبر الصيام فقط بالجوع والعطش، بل بالصبر على نزوح مستمر، وخيام تحاول أن تصمد أمام المطر… وأمام الألم.
ــــــــــ
/ ف.ع


