أهم الاخبار
الرئيسية تقارير وتحقيقات
تاريخ النشر: 28/02/2026 10:52 م

المنتجات الزراعيّة الفلسطينية محور التحريض في جلسة بالكنيست!

رام الله 28-2-2026- خاص وكالة "وفا"

التحريض على الفلسطيني ومحاولات تضييق الخناق عليه أكثر لم تقف عند الاستيلاء على الأرض أو تقييد الحركة أو التحكم بالمعابر والموارد، ففي جلسة لجنة الصحة بالكنيست، يوم الاثنين 23 شباط 2026، اتخذ التحريض شكلًا آخر عبر خطاب سياسي يربط المنتجات الزراعية الفلسطينية بخطر صحي، ويطالب بمنع إدخالها، ويستخدم لغة عداوة مباشرة ضد الفلسطينيين.

وخلال الجلسة عُرضت معطيات عن فحوصات متبقيات المبيدات في منتجات قادمة من الضفة الغربية.

ووفق ما قُدم، يدخل إلى إسرائيل سنويًا نحو 15 ألف طن من المنتجات الزراعية من الضفة الغربية، كما طُرح ادعاء بأن نسبًا بين 27% و40% من العينات التي فُحصت بين الأعوام 2015–2022 سُجلت فيها بقايا مبيدات "غير اعتيادية"، مع الإشارة إلى ارتفاع متواصل في تلك النسب خلال السنوات المذكورة.

رئيسة اللجنة ليمور سون هار ميلخ، من حزب "عوتسما يهوديت"، لم تكتف بطرح مخاوف صحية أو الدعوة لتشديد الرقابة، بل قدّمت موقفًا يقوم على العداء والتحريض المباشر، حين دعت إلى منع إدخال المنتجات الزراعية الفلسطينية بالكامل، وقالت: "برأيي يُحظر علينا إدخال أي منتجات زراعية من السلطة الفلسطينية إطلاقًا. أنا لا أثق بعدوي كي يزرع لي غذائي، إذ يمكن بسهولة تسميمه"، ثم حولت النقاش إلى دعوة سياسية للمقاطعة، وقالت: "أدعو كل من يستطيع إلى الحرص على شراء الزراعة الإسرائيلية… والأهم من ذلك أكثر صهيونية بكثير".

وفي إطار خطاب التحريض ذاته، قالت سون هار ميلخ إن "المعطيات ترسم صورة فوضى صحية حقيقية"، ووصفت البضائع القادمة من الضفة الغربية بأنها "ملوثة ببقايا مبيدات بنسب مرتفعة للغاية"، ثم ربطت ذلك بتحذيرات عامة من وزارة الصحة الإسرائيلية عن مخاطر التعرض لمثل هذه الملوثات، وتحدثت عن السرطان وأضرار الكبد والكلى وأضرار تطور الأطفال والرضع والأجنة.

كما اتهمت "الإدارة المدنية" بتفضيل "الاقتصاد الفلسطيني" على صحة الجمهور في إسرائيل، في صياغة تضيف بعدًا سياسيًا عقابيًا للنقاش بدل أن تحصره في الإجراءات.

إلى جانبها، شاركت المحامية أبيشاغ شفارتس من منظمة "لفيئ"، وهي منظمة يمينية تنشط في مسارات قانونية وإعلامية تتقاطع مع خطاب التحريض ضد الفلسطينيين، وقدمت مداخلتها بوصفها "قانونية" لكنها خدمت الاتجاه نفسه في الجلسة.

شفارتس قالت إن المنتجات الزراعية القادمة من الضفة الغربية تحتوي على بقايا مبيدات "بنسب مرتفعة جدًا"، واستندت إلى تقرير لمراقب الدولة قالت إنه نُشر قبل نحو عام ونصف، ويتحدث عن نسب بين 27% و40% لعينات سُجلت فيها بقايا مبيدات "غير اعتيادية" خلال الأعوام 2015–2022، ثم استخدمت هذه المعطيات لتأكيد سردية الخطر الشامل، وادعت أن "نحو 50%" من المنتجات تتضمن مواد خطرة، وخلصت إلى أن التغييرات المعلنة "غير كافية"، بما يدعم عمليًا الدعوات السياسية لمنع الإدخال أو تشديد القيود بصورة أوسع.

من داخل وزارة الصحة الإسرائيلية، قدمت مديرة قسم إدارة المخاطر، الدكتورة زيفا حمّاما، تفاصيل إجرائية ومعطيات فحوصات، لكنها جاءت داخل جلسة تحولت إلى منصة تحريض، وتقاطعت أقوالها مع الخطاب الذي يضع المنتجات الفلسطينية في خانة الاشتباه الجماعي. حمّاما قالت إن "احتجاز الشحنات في مخازن الأغذية لم يُطبق حتى الآن بسبب موقف منسق أعمال الحكومة في الضفة الغربية، وإنه جرى الاتفاق على تطبيق الاحتجاز بعد ثمانية أشهر". وقدمت نسبًا قالت إنها ظهرت في الفحوصات: 50% من عينات الخيار، 49% من الطماطم، و66% من الفلفل الحار.

وأضافت أن 13% من المنتجات احتوت على أكثر من خمسة أنواع مبيدات، وأن 14% من العينات احتوت على مركبات فوسفورية عضوية ذات تأثير عصبي، وقالت إنها تشكل خطرًا على الأجنة وقد ترتبط بعيوب تطورية لدى الرضع والأطفال، وأن التعرض للمادة الفعالة قد يزيد احتمال الإصابة بباركنسون.

كما تحدثت عن خطوات مقبلة تشمل فحوصات ميدانية إضافية، وقائمة محوسبة للمزارعين المصرح لهم، وزيادة وتيرة أخذ العينات، وفرض غرامات، واحتجاز المنتجات حتى صدور نتيجة سليمة.

عاموس زوارس، منسق شؤون الصحة في الضفة الغربية بوزارة الصحة الإسرائيلية، أقر بأن عدم احتجاز المنتجات حتى ظهور النتائج ارتبط "باعتبارات اقتصادية أمنية" وبالحفاظ على "الوضع الأمني" في المنطقة، وقال: "بعد السابع من أكتوبر أدركوا أن صحة الجمهور أهم". وبهذا ربط أيضًا بين السياسة الأمنية وبين إدارة الملف الصحي، وهو ربط استُخدم في الجلسة لتبرير تغيير إجراءات كان يفترض، وفق ما قيل، أنها قائمة أصلًا.

ومن "الإدارة المدنية"، قال ضابط الزراعة سمير معدي إن أي مزارع يُكتشف لديه منتج "ملوث" يُمنع من تسويق إنتاجه، وأضاف أن من بين نحو 3000 مسوّق يُستبعد "عدة مئات"، وأن المزارع الذي يُرفض إنتاجه يمكنه العودة للتسويق بعد ثلاثة أشهر وبعد فحص جديد.

ورغم الطابع الإداري لحديثه، جاء رده داخل سياق جلسة تبنت لغة اتهام جماعية، لا تميّز بين حالة محددة ومنتج محدد وبين تعميم يطال "المنتجات الزراعية الفلسطينية" ككل.

النائب عميت هليفي من حزب "الليكود" نقل التحريض إلى مستوى أشد، إذ لم يكتف بالحديث عن إجراءات أو رقابة، بل قدّم اتهامات مباشرة بأن غذاء الإسرائيليين "مسموم"، وقال: "من المعطيات التي تعرضها وزارة الصحة نفسها يتبين أن غذاء مواطني إسرائيل مسموم".

واتهم وزارتي الزراعة والصحة الإسرائيليتين بالتقاعس والانصياع لـ"الإدارة المدنية"، وقال إن الموظفين "خانوا دورهم ورسالتهم… لتسميم المواطنين"، ودعا المصابين بالسرطان، وفق ادعائه، إلى مقاضاة قائد "الإدارة المدنية".

كما قال إن حجم المنتجات في التسعينيات كان نحو 70 ألف طن سنويًا، بينما "المعروف للسلطات" اليوم نحو 14 ألف طن، واعتبر أن الفارق يعود إلى "ازدياد التهريب".

وفي ختام جلسة الكنيست، واصلت رئيسة اللجنة خطاب التحريض المباشر، وقالت: "أتوجه إلى مواطني دولة إسرائيل: أنتم تُسمَّمون"، مشيرة إلى "45% من العينات" ووصفتها بأنها "ملوثة بمواد تسبب السرطان وباركنسون"، ثم اتهمت جهات بتفضيل "رزق أعدائنا" على صحة الإسرائيليين، ودعت الجمهور إلى التحقق من مصدر الخضار والفواكه، وختمت بالقول إنها خرجت "أكثر تشاؤمًا".

وبهذا الشكل، لم تبق الجلسة في إطار نقاش رقابي حول فحوصات وتخزين وإجراءات، بل تحولت إلى ساحة تتداخل فيها المعطيات مع خطاب سياسي عدائي، يبدأ من وصف الفلسطيني بـ"العدو"، ويمر بدعوات المقاطعة والتفضيل الأيديولوجي، ويصل إلى اتهامات جماعية بالتسميم، بمشاركة جهات سياسية ومنظمات يمينية وشخصيات رسمية قدمت تفاصيل تقنية داخل مناخ تحريضي واضح.

من نافل القول إنّ الزراعة، في السياق الفلسطيني، ليست مجرد قطاع اقتصادي، بل هي أحد آخر أشكال الصمود الاجتماعي في ظل القيود المفروضة على الأرض والمياه والتسويق. والمزارع الفلسطيني يعمل في بيئة تنظيمية وأمنية يتحكم بها الاحتلال من حيث استيراد المبيدات، وتصاريح التسويق، ونقاط العبور، والفحوصات المخبرية، ومع ذلك، يُقدَّم في الخطاب السياسي الإسرائيلي بوصفه مصدر الخطر، لا بوصفه طرفًا خاضعًا لمنظومة رقابة إسرائيلية فعلية على الحدود والمعابر.

ــــ

/ و.أ

مواضيع ذات صلة

اقرأ أيضا