الرئيسية تقارير وتحقيقات
تاريخ النشر: 19/05/2026 11:18 ص

"تجمع عرب الخولي".. حكاية تهجير جديدة تعيد مشاهد النكبة

 

قلقيلية 19-5-2026 وفا- ميساء عمر

لا تزال حكايات التهجير تتكرر على الأرض الفلسطينية، رغم مرور 78 عاما على ذكرى النكبة، لكن هذه المرة بأدوات أكثر قسوة تستهدف الإنسان والأرض.

في تجمع "عرب الخولي" شرق بلدة كفر ثلث جنوب مدينة قلقيلية، عاشت عشرات العائلات فصلًا جديدًا من المعاناة، بعدما تحوّل المكان الذي احتضنهم منذ عام 1948 إلى منطقة محاصرة ومطاردة، دفعت سكانه في نهاية المطاف إلى الرحيل القسري عن بيوتهم وأراضيهم.

وقد سُجل منذ بداية عام 2026 وحتى نهاية نيسان/ إبريل 3043 انتهاكا في الضفة الغربية، شملت تهجيرا قسريا، واعتداءات جسدية، واقتحامات، والاستيلاء على الأراضي، وإحراق ممتلكات، وتخريب شبكات المياه، واقتلاع أشجار.

وبحسب رئيس بلدية كفر ثلث جهاد عودة، فقد كان التجمع يضم نحو 300 فرد امتهنوا الزراعة وتربية المواشي والأبقار، واعتمدوا في معيشتهم على خيرات الأرض التي توارثها الأبناء عن الآباء والأجداد.

الوجود الفلسطيني ظلّ على الدوام هدفًا لأطماع المستعمرين، نظرًا لاتساع مساحة التجمع الزراعية التي قُدرت بنحو 2000 دونم، إضافة إلى موقعه القريب من المستعمرات، ما جعله منطقة مستهدفة بشكل دائم.

المستعمرات تحاصر التجمع من جميع الجهات، فمن الشمال تقع مستعمرتا "معالي شومرون" و"شافيه شومرون"، ومن الشرق "إيل متان" و"جنات شومرون"، فيما تمتد من الجنوب مستعمرات "نوفييم" و"يكير" و"عمانوئيل" و"كارني شومرون"، ومع هذا الحصار الجغرافي المتواصل، بدأ التضييق على المواطنين يأخذ أشكالًا متصاعدة عامًا بعد آخر.

في عام 2024، استولى الاحتلال على أجزاء من أراضي التجمع لصالح توسعة المستعمرات المحيطة، كما استولى على أراضٍ تعود لعائلة مقبل، ما دفع عددًا من الأهالي إلى مغادرة المنطقة.

ومع بداية عام 2025، تصاعدت اعتداءات المستعمرين على المواطنين وممتلكاتهم، فباتوا يتسللون ليلًا إلى الأراضي الزراعية، ويطلقون الخنازير البرية في المحاصيل، إضافة إلى جلب مواشيهم للرعي داخل أراضي المواطنين وإتلافها، ما ضاعف معاناة الأهالي وضيّق سبل معيشتهم.

ومع اشتداد هذه الاعتداءات، بدأ سكان التجمع يفقدون قدرتهم على الصمود، فاضطر نصفهم إلى هجر المنطقة، ليتراجع عدد السكان إلى نحو 50 فردًا فقط، لكن التضييق لم يتوقف عند استهداف الأرض والممتلكات، بل انتقل منذ مطلع عام 2026 إلى الاعتداء المباشر على المواطنين.

انتهج المستعمرون أساليب أكثر عنفًا، تمثلت في الاعتداء على الأهالي بالعصي والحجارة، وصولًا إلى الضرب بالسلاح، وكان آخرها الاعتداء المبرح على المواطنَين عوني وعادل مراعبة. وأمام هذه الإجراءات، لم يعد التجمع صالحًا للحياة، ما دفع من تبقى من السكان إلى هجره قسرًا، في مشهد يعيد إلى الأذهان فصول النكبة المستمرة بحق الشعب الفلسطيني.

ومن بين العائلات التي عاشت تفاصيل هذه المعاناة، عائلة المواطن عادل محمود الخولي، الذي ورث مع أشقائه السبعة نحو أربعين دونمًا من الأرض عن والدهم.

وعلى مدار سنوات طويلة، عاش أفراد العائلة، الذين يناهز عددهم ثلاثين فردًا، على زراعة هذه الأرض، إذ شكّلت بالنسبة إليهم مصدر الحياة الوحيد؛ فمنها يأكلون، ومنها يؤمّنون قوت أطفالهم، ومنها نسجوا تفاصيل حياتهم اليومية وذكرياتهم، قبل أن يفقدوا اليوم مساكنهم ومصدر رزقهم دفعة واحدة.

ويروي عادل تفاصيل التهجير بغصة لا تفارق صوته، وهو يقلب بين يديه صور الماضي والحاضر صورا قديمة لمحاصيل زراعية غطتها الخضرة والحياة، تقابلها اليوم صور حديثة لأراضٍ جُرفت، ومنازل تحولت إلى أكوام من التراب، بعدما أقدم الاحتلال على هدم مساكنهم عقب هجرها قبل ثلاثة أسابيع.

ويقول: إن العائلة حاولت طوال السنوات الماضية الصمود والبقاء رغم الحصار والتضييق المتواصل، إلا أن تصاعد اعتداءات المستعمرين، والخوف المستمر على حياتهم وحياة أطفالهم، جعلاهم أمام واقع أكثر قسوة، لم يعد يُسمح لهم بالاستمرار في العيش أو العمل داخل التجمع.

ومع فقدانهم الأرض والمأوى، بدأت معاناة جديدة للعائلة، يصفها شقيقه عبد الهادي بحسرة، قائلًا: إنهم يعيشون اليوم بلا استقرار، بعدما تحولوا من أصحاب أرض ومصدر رزق ثابت إلى باحثين عن عمل يومي يؤمّن الحد الأدنى من احتياجاتهم، بعد أن سُلبت منهم الأرض التي عاشوا فيها أجيالًا طويلة.

أما شقيقهم خالد، فيرى أن أكثر الذكريات ألمًا ترتبط بوالدهم، الذي رفض مغادرة منزله وأرضه حتى أيامه الأخيرة، مؤمنًا بأن الأزمة ستنتهي يومًا ما، وأنه سيبقى متمسكًا بأرضه مهما اشتدت الظروف.

ويقول: إنهم اضطروا يوم وفاته إلى نقله بعربة، بعدما بقي حتى لحظاته الأخيرة متعلقًا بالمكان الذي أفنى عمره في خدمته، معتبرًا الأرض أغلى ما يملك الإنسان.

ويضيف خالد أن العائلة خسرت كل شيء: منازلها، وأراضيها، ومصدر رزقها، مؤكدًا أن حجم الخسائر لا يُقدّر بالمال، لأن الخسارة الحقيقية تمثلت في اقتلاعهم من المكان الذي شكّل تاريخهم وحياتهم وذكرياتهم.

ويقول مدير دائرة الخدمات المساندة في مديرية الزراعة ياسر مراعبة لـ"وفا": إن الخوف من مصير تجمع عرب الخولي بعد الإخلاء لا يزال مصدر قلق دائم لدى الأهالي، إذ يخشون أن يعمد الاحتلال إلى عزله بالكامل عبر بوابة عسكرية، كما فعل بالطرق المحيطة به.

ويضيف أن هذا القلق يتفاقم في ظل إحاطة محافظة قلقيلية بالجدار الفصل العنصري، الممتد لعشرات الكيلومترات من الكتل الإسمنتية والأسلاك الشائكة، والذي عزل نحو 25 ألف دونم من الأراضي الزراعية، إضافة إلى 15 بئرًا جوفية، فلم يعد أصحاب هذه الأراضي قادرين على الوصول إليها إلا عبر بوابات عسكرية وتصاريح خاصة، كما يحيط بالمحافظة ما لا يقل عن 5 تجمعات استعمارية تضم نحو 20 مستعمرة و5 بؤر رعوية، في مشهد يفاقم التضييق ويهدد بمزيد من التهجير القسري.

وفي ذكرى النكبة، لا تبدو حكاية تجمع عرب الخولي حادثة معزولة أو استثنائية، بل صورة متجددة لواقع فلسطيني مستمر منذ عام 1948، تتبدل فيه الأدوات والأساليب بينما يبقى الهدف واحدًا؛ اقتلاع الفلسطيني من أرضه وإفراغ المكان من سكانه الأصليين، في مشهد يعكس كيف تحولت النكبة من حدث تاريخي ارتبط بذاكرة الفلسطينيين إلى واقع يومي متواصل لا يزال يُعاد إنتاجه حتى اليوم، إذ تتكرر معاناة الفقد والاقتلاع جيلًا بعد جيل.

ـــــــ

م.ا/ م.ل

 

مواضيع ذات صلة

اقرأ أيضا