سلفيت 28-2-2026 وفا- عُلا موقدي
عند أطراف قرية مسحة غرب محافظة سلفيت في الضفة الغربية المحتلة، يكون أول صوت يسمع من هذه البقعة هو صرير بوابة حديدية تفتحها المواطنة منيرة العامر (61 عاما) ببطء وكأنها تشعر بالخوف من إزعاج أحد.
منزل العامر يقع خلف جدار الفصل والتوسع العنصري على ارتفاع يزيد على 8 أمتار تحاصره الكاميرات والأسلاك الشائكة، في منطقة عزلت تماما عن مساراها الطبيعي داخل القرية.
عشرات الخطوات فقط تفصل بينه وبين آخر بيت في مسحة وعن المدارس والمراكز الصحية والخدمات الحياتية اليومية الأساسية.
بحسب معطيات الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، يبلغ عدد سكان قرية مسحة نحو 2,822 نسمة. إلا أن منزل العامر هو المنزل الفلسطيني الوحيد في المحافظة المعزول خلف الجدار، فيما تحيط به وحدات استيطانية في مستوطنة "الكاناة" المقامة على أراضي القرية منذ عام 1978.
على مساحة خمسين دونما بدأت المعاناة، أقيمت هذه المستوطنة بنمط "ناحل" شبه عسكري، مسجلة أول موطئ قدم استيطاني على أراضي محافظة سلفيت، وفق مركز المعلومات الفلسطيني.
غير أن المساحة المحدودة سرعان ما اتسعت واستولت على آلاف الدونمات من أراضي قرية مسحة، حتى أحاطت بمنزل عائلة العامر وأطبقت عليه.
بين هذا الحصار كله، تشكّل الستينية منيرة العامر اقتصادها الخاص والمحكوم بالوقت والتصاريح والقيود بشكل كامل.
تخرج من بيتها وهي تعلم أن أمامها طريق طويل إلى بيارات البرتقال وحقول الزيتون في بلدة عزون بمحافظة قلقيلية -التي كانت محاصرة أيضا في السابق وتحتاج إلى إذن دخول- حيث تعمل هناك منذ عشرات السنوات لتؤمن قوت يومها.
تقول: كانت الأرض هي مصدر الرزق الوحيد لعائلتي المكونة من 6 أطفال. كنّا نعمل ساعات طويلة في الأرض ونعود إلى المنزل قبل أن يحل الظلام لضرورات عسكرية وأمنية. "ليس لدي خيار. إما أن أعمل، أو أختنق داخل هذا الحصار كله وحدي"، ذكرت منيرة.
كسرت منيرة الصورة. حملت عبء العمل والحصار معا، وحوّلت العمل في الأرض إلى وسيلة للبقاء.
تعتمد العامر الآن على اقتصادها الخاص لتأمين حياة كريمة، إذ تبيع منتجات زراعية منزلية مثل أوراق الملوخية، والبندورة المطبوخة، وورق العنب، والمفتول.
وتبيّن: "هذا منزل العائلة، وأحب أن تجد عائلتي كل الخير فيه". مؤكدة أن هذا النشاط يوفّر لها الحد الأدنى من الاكتفاء الذاتي رغم الظروف الصعبة.

بين هذين المكانين، تقاس حياة العامر بعدد القيود التي تتخطاها كل يوم، حيث إن التشديدات المتزايدة في الآونة الأخيرة حول منزلها، من أسلاك شائكة إضافية إلى بوابات جديدة، منعت منيرة من الدخول والخروج بحرية إلا بتصاريح رسمية من سلطات الاحتلال، كما أن الزيارات أصبحت محظورة تماما، ما يزيد من صعوبة نشاطها الاقتصادي في ظل عزلة شبه كاملة.
"حين بنينا هذا البيت كنّا نعيش بحريتنا الكاملة، يخرج زوجي للعمل، وأجلس مع أطفالي وإذا خرجوا للعب في فناء المنزل أشعر أنهم بأمان، اليوم المستوطنة تحيط بنا من كل جانب" قالت.
في عام 2004، أُبلغت العائلة بإدراج منزلها خلف الجدار، وخيّرت بين الرحيل أو البقاء تحت قيود مشددة. لاحقاً، أُغلقت المنطقة ببوابتين حديديتين: إحداهما بمفتاح لدى سلطات الاحتلال، والثانية مع العائلة، مع إمكانية تغيير الأقفال في أي وقت.
تروي منيرة حادثة لا تغيب عن ذاكرتها: "أُغلقت البوابة علينا، كانت نصف العائلة في الخارج ونصفها في الداخل. انقسمنا بين جانبي الجدار في دقائق".
وتحول المنزل إلى مساحة مراقبة دائمة بدلا من أن يكون مجرد مكان للسكن. وفي حال تم نسيان الباب مفتوحاً لدقائق يستدعي اتصالا من حارس المستوطنة بإغلاقه فوراً أو فرض عقوبة ما.
لم تؤثر هذه الإجراءات العسكرية على الجغرافيا فقط، بل على بنية العائلة نفسها وعلى أدوار كل نفر فيها.
في 25 أيار 2021، توفي معيل الأسرة هاني العامر إثر نوبة قلبية حادة، بعد أن صمد طيلة السنوات السابقة وقاوم الاحتلال وكان سندا أساسيا لعائلته، لتتولى زوجته منيرة مسؤولية البيت بمفردها في ظل القيود الخانقة المحيطة بالمنزل.
لم يكن هذا خيارها، بل نتيجة مباشرة لواقع سياسي فرض عزلة قسرية وجعلها بحاجة إلى المساهمة المادية، وإلى منفس يقوي الشبكات الاجتماعية المحيطة بها حتى ولو من خلال العمل.
ففي سياق المجتمعات الفلسطينية خاصة الريفية، غالباً ما ينظر إلى المرأة أنها داعم اقتصادي ثانوي. لكن في حالة عائلة العامر، أعاد الاحتلال توزيع الأدوار قسرا لتتحول منيرة من شريكة في العمل إلى عموده الأساسي الذي يرتكز عليه.
مع مرور السنوات، بدأت تظهر على منيرة العامر أعراض إرهاق مزمنة، منها آلام الظهر، وتعب شديد في العضلات نتيجة العمل المتواصل والوقوف ساعات طويلة، وارتفاع ضغط الدم، والسكري، وهي مشاكل صحية تؤثر على قدرتها اليومية على الحركة والعمل. ومع ذلك، لا تسمح منيرة لهذه التحديات أن توقفها، فتواصل الذهاب إلى الأرض، حاملة معها بصيص أمل وإرادة في البقاء.
تشير دراسة منير أبو رحمة (2022) المعنونة بالآثار الاقتصاديّة لجدار الفصل العنصري العازل على كافة قطاعات الاقتصاد الفلسطينيّ، إلى أن سلطات الاحتلال تهدف من وراء الجدار العازل إلى تدمير كافة القطاعات الاقتصاديّة الفلسطينيّة. وترك الجدار آثاراً سلبية مدمرة على كافة قطاعات الاقتصاد الفلسطيني، ويعد القطاع الزراعي أكثر القطاعات الاقتصادية تضررا.
قوانين دولية غير مطبقة ضحيتها المرأة
تحوّل المنزل إلى ما بات يعرف فلسطينيا بـ"دولة هاني العامر"، نتيجة القيود العسكرية المشددة المفروضة عليه، في مشهد يعكس حجم العزلة القسرية التي تمسّ جوهر الحقوق الأساسية المكفولة بموجب القانون الدولي الإنساني.
تنص اتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949 على حق المدنيين الواقعين تحت الاحتلال في الحماية، وحرية الحركة، والوصول إلى الغذاء والرعاية الصحية، وضمان سلامتهم وأمنهم، لا سيما الأطفال والنساء وكبار السن.
وتؤكد المادة (27) من الاتفاقية ذاتها أن "الأشخاص المحميين يجب معاملتهم بإنسانية، ويجب حماية حياتهم وكرامتهم الشخصية، بما في ذلك حقهم في الأمن الشخصي وعدم التعرض للعقاب الجماعي أو المعاملة المهينة".
كما اعتبرت محكمة العدل الدولية في رأيها الاستشاري الصادر عام 2004 أن بناء الجدار داخل الأراضي الفلسطينية المحتلة يعدّ انتهاكا للقانون الدولي، ودعت إلى إزالته وتعويض المتضررين من آثاره.
وفي هذا السياق، يقول مدير مركز حريات، حلمي الأعرج، إن حرية الحركة والتنقل حق مكفول في القانون الدولي الإنساني، وإن اتفاقية جنيف الرابعة تلزم الدولة القائمة بالاحتلال بتوفير حياة كريمة للسكان الواقعين تحت احتلالها، وتحظر فرض قيود متعمدة بهدف التهجير، معتبرا أن مثل هذه السياسات قد ترتقي إلى مستوى جريمة حرب، وتشكّل انتهاكا جسيما للقانون الدولي.
ويضيف الأعرج أن عائلة العامر تتعرض لتضييق اقتصادي واجتماعي خانق، يشمل حرمانها من أبسط حقوقها في العمل والتواصل الاجتماعي والشعور بالأمن، خاصة في ظل إرهاب المستوطنين على الطرقات والقرى الفلسطينية الذي يوثق بالصور وتمعن سلطات الاحتلال بدعمهم وحمايتهم، فما بالك في هذا المنزل الذي يقع بين جدار الفصل والمستوطنة.

كما أن قرار مجلس الأمن 2334 أكد عدم شرعية الاستيطان وطالب بوقفه، في حين شددت محكمة العدل الدولية على حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره ووقف الإجراءات التي تمسّ بأرضه وموارده.
ومع ذلك، تتواصل سياسات التضييق والتهجير، وتتفاقم معاناة العائلات الفلسطينية الممتدة على طول مسار الجدار، في ظل محاولات ممنهجة لإفقارها وتجويعها وحرمانها من حقوقها الأساسية في الأمن والعمل والتعليم والحياة الكريمة.
وعلى المستوى المحلي، يتقاطع هذا الطرح الحقوقي مع موقف القوى الوطنية في محافظة سلفيت، التي ترى في ما تتعرض له العائلة نموذجا لسياسة ممنهجة تمس جوهر الحق في الحياة الكريمة.
فقد قال مسؤول القوى الوطنية في محافظة سلفيت، نعيم حرب، إن كافة الأعراف والمواثيق الدولية نصّت بوضوح على أن الحق في الحياة الكريمة هو أسمى الحقوق الإنسانية، وهو حق غير قابل للتجزئة أو الانتقاص. ويتساءل: كيف يمكن الحديث عن حياة كريمة دون توفير مقوماتها الأساسية من مسكن آمن، وغذاء، وكساء، وحرية حركة؟
ويضيف أن هذا الحق يسلب يوميا من عائلة العامر، التي فرض عليها واقعا أليما، حتى بات ضوء الشمس يصلها مشوّها عبر بوابات حديدية تتحكم بكل تفاصيل حياتها. فالدخول إلى منزلها أو الخروج منه يخضع لتصاريح وأوقات محددة لا يلتزم بها الاحتلال، بل تبقى رهينة مزاج الجندي وإجراءاته التعسفية.
ويؤكد حرب أن الواقع الاقتصادي لهذه العائلة المعزولة لم يعد مجرد معاناة فردية خلال السنوات الأخيرة، بل حالة من العقاب الجماعي وسياسة مدروسة لخنق اقتصادي ممنهج، ما يستدعي تدخلا عاجلا من المؤسسات الحقوقية الدولية لضمان الحد الأدنى من مقومات الحياة الكريمة.
ويختم بالقول: "منيرة تعيش في ظل اقتصاد يمكن تسميته باقتصاد الجدار والبوابات الحديدية؛ اقتصاد تتحكم به آلة القمع الإسرائيلية عبر تقييد الحركة وفرض العزلة، في ظل مخاطر يومية من مستوطنين يمارسون مختلف أشكال التضييق لدفعها إلى ترك أرضها ومنزلها، في انتهاك صريح لحقها الطبيعي في الحياة والكرامة."
أرقام اقتصادية تعكس واقعا فلسطينيا صعبا
أظهر بيان مشترك صادر عن سلطة النقد الفلسطينية والجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني أنه على الرغم من تسجيل الاقتصاد الفلسطيني ارتفاعا حسابيا بنسبة 4% في عام 2025 مقارنة بعام 2024، إلا أن الناتج المحلي الإجمالي لا يزال يُظهر ركودا ممتدا، حيث انخفض بمعدل 24% عن مستواه في عام 2023، ويعكس هذا التراجع حجم الضرر التراكمي الذي لحق بالاقتصاد منذ بدء عدوان الاحتلال الإسرائيلي على الضفة الغربية وقطاع غزة في تشرين الأول 2023، وهو ما أدى إلى تضرر القدرة الإنتاجية واستمرار الاختناقات في الأنشطة الاقتصادية.
وسجل الناتج المحلي الإجمالي خلال عام 2025 انخفاضا حادا في قطاع غزة بلغت نسبته 84% مقارنة بعام 2023، في حين تراجع في الضفة الغربية بنسبة 13% خلال الفترة ذاتها. ورغم تسجيل الضفة الغربية ارتفاعا محدودا بنسبة 4.4% في عام 2025 مقارنة بعام 2024، إلا أن الناتج المحلي في قطاع غزة واصل الانكماش ليسجل تراجعاً إضافياً بنسبة 8.7% خلال نفس الفترة.
ويعتمد الاقتصاد الفلسطيني بشكل رئيسي على قطاع الخدمات الذي يشكّل نحو 60% من حجمه، مقابل 19% فقط للقطاعات الإنتاجية، ما يجعله هشًا أمام الصدمات. وقد تراجعت معظم الأنشطة الاقتصادية، خاصة الزراعة التي انخفضت بنسبة 18% ليصل إلى نحو 686 مليون دولار.
وبلغ معدل البطالة في فلسطين 46% خلال عام 2025، بواقع 28% في الضفة الغربية و78% في قطاع غزة.
وفي ظل استمرار تنكّر قوات الاحتلال للقوانين الدولية ضاربة إياها بعرض الحائط تحت ذرائع أمنية، وفي ظل انتهاك حقوق المرأة بفعل السياسات المفروضة على الشعب الفلسطيني، ستبقى منيرة العامر وغيرها من الفلسطينيات، يبحثن عن اقتصاد بديل على حساب وقتهن ومضاعفة جهدهن، يعدن من خلاله تشكيل الاقتصاد المحلي، سواء من خلال العمل الزراعي أو الحرف اليدوية أو العمل مقابل أجر زهيد.

ــــ
/ع.ف


