طوباس 15-3-2026 وفا- إسراء غوراني
أراد الأب علي بني عودة من بلدة طمون جنوب شرق طوباس أن يعوض عائلته عن طول غيابه عنهم، بعد أن اضطرته الظروف للبقاء في العمل شهرين متتابعين والتغيب عن المنزل بشكل كامل خلالهما، فعاد إلى منزله قبيل العيد بأيام معدودة، أراد فيها أن يصنع لأطفاله جوا من البهجة.
اصطحب علي (37 عاما) زوجته وعد (35 عاما) وأطفاله الأربعة خالد ومصطفى وعثمان ومحمد، وذهبوا بمركبتهم بعد الإفطار إلى مدينة نابلس لقضاء بعض الوقت وشراء ملابس للعيد، لكن قوات خاصة من جيش الاحتلال كانت قد تسللت إلى البلدة تزامنا مع عودة العائلة أمطرت مركبتهم بوابل من الرصاص، ما أدى إلى استشهاد الأب والأم وطفليهما عثمان ومحمد، فيما نجا الطفلان خالد ومصطفى من الموت.
يروي الطفل الأكبر خالد (11 عاما) التفاصيل المروعة لما حدث مع العائلة، وكيف تحولت فرحتهم إلى مأتم في طرفة عين.
يقول خالد إن أجواء البهجة كانت تطغى على العائلة في طريق عودتهم إلى البلدة عند منتصف الليل، حيث كان الوالد يردد الأناشيد برفقة أطفاله الفرحين برحلتهم الترفيهية بعد الإفطار.
وقال إنهم في طريق العودة إلى المنزل وأثناء سير المركبة وسط البلدة تعرضوا لوابل كثيف من الرصاص، فاستشهد الأب والأم مع طفليهما الأصغر سنا عثمان (7سنوات) وهو ضرير، ومحمد (5 سنوات)، فيما أصيب هو وشقيقه مصطفى (8 سنوات) بشظايا في الوجه.
ويضيف خالد: "عند إطلاق الرصاص نحونا صرخت أمي صوتا واحدا ثم سكت صوتها فجأة، وسمعت أبي ينطق الشهادتين وبعدها اختفى صوته أيضا".
ويتابع الطفل بينما كان يمسك طرف وجهه وعينه من آثار الشظايا التي أصابته: "بعد ذلك حضر جندي وأنزلني من المركبة وركلني بقدميه على ظهري، ثم حاول ضرب شقيقي مصطفى ولكني وقفت أمام شقيقي لأحميه، نجونا أنا ومصطفى بينما استشهد أبي وأمي وشقيقاي عثمان ومحمد".

وفي رواية طواقم الإسعاف حول المجزرة بحق العائلة، قال مدير الإسعاف والطوارئ في طوباس نضال عودة، لـ"وفا"، إن بلاغا وصلهم حول الحادثة عند وقوعها، فتوجهت طواقم الإسعاف على الفور إلى الموقع، وهناك منعتهم قوات الاحتلال من الوصول إلى المركبة.
وأضاف: كان هناك ثلاث مركبات إسعاف تحاول الوصول من عدة طرق، وبعد نحو 20 دقيقة من المحاولة سلمت قوات الاحتلال الطفلين المصابين خالد ومصطفى لطواقم الإسعاف، فيما منعتها من الوصول إلى بقية أفراد العائلة، الذين كان مصيرهم مجهولا حينها.
وبعد ذلك بحوالي نصف ساعة أخرى تم السماح للطواقم بالوصول إلى المركبة، وفقا لعودة، حيث روى المسعفون تفاصيل مروعة عن تلك اللحظة عندما وجدوا الوالدين والطفلين شهداء، فقد تهتك رأس الأب من الرصاص وكذلك طفله عثمان، بينما كان الطفل الأصغر محمد شهيدا في حضن والدته الشهيدة، فانتشلت الطواقم الشهداء ونقلتهم إلى مستشفى طوباس التركي الحكومي، في حين استولت قوات الاحتلال على مركبة العائلة.

وشيعت جماهير غفيرة صباح اليوم جثامين الشهداء الأربعة، في مسيرة غاضبة جابت شوارع البلدة.
وبعد وداع جثامين الشهداء علي وزوجته وطفليه في باحة منزل ذويه، حاولت أم علي تمالك نفسها وجلست في صدر منزلها الذي أقيم فيه بيت العزاء للنساء، وأخذت تتحدث عن الأوقات الأخيرة في حياة نجلها وزوجته ونجليه.
وقالت: "كان علي مشتاقا لأبنائه، وصل أمس إلى المنزل بعد غياب شهرين متتابعين في العمل، وأراد أن يعوضهم شيئا عن غيابه، فاصطحبهم إلى مدينة نابلس لشراء ملابس العيد والترويح عنهم".
وتابعت الأم المكلومة: "بعد منتصف الليل سمعنا باستهداف مركبة في البلدة، بدأت بالاتصال على ابني وزوجته لكن دون رد، حينها جاء ابني عمر يصرخ ويقول إن السيارة التي استهدفت هي سيارة شقيقه".
وتضيف أن نجلها الذي وصفته بأنه حنون ورقيق القلب، كان يفكر في والديه حتى آخر نفس، قائلة: "أخبرني حفيداي خالد ومصطفى أن والدهما في طريق العودة من نابلس اشترى وجبات طعام للسحور وأبلغهم بأنه يريد أن يتناولوا جميعا السحور معنا أنا ووالده".
يذكر أن قوات إسرائيلية خاصة تسللت بعد منتصف الليلة الماضية إلى بلدة طمون، ثم تبعتها تعزيزات عسكرية من حاجزي عين شبلي وتياسير العسكريين، وهذه القوة الخاصة هي التي ارتكبت المجزرة بحق عائلة علي بني عودة، حسب شهود عيان.

ومع ارتقاء الشهداء الأربعة في طمون يرتفع عدد شهداء محافظة طوباس منذ بداية العدوان على قطاع غزة وحتى اليوم إلى 110 شهداء، 43 منهم من بلدة طمون، وفقا لإحصائيات مكتب التجمع الوطني لأسر الشهداء في محافظة طوباس، فيما تشير الإحصائيات ذاتها إلى أنه خلال العام المنصرم (2025) بلغ عدد شهداء محافظة طوباس 31 شهيدا، منهم 24 شهيدا من بلدة طمون.
ـــ
إ.غ/ و.أ


