غزة 2-3-2026 وفا- سامي أبو سالم
على طريق صلاح الدين الذي يقسم قطاع غزة إلى نصفين، شرقي وغربي، وبعد طول انتظار استطاع مواطنون ينتظرون على قارعة الطريق أن يمتطوا وسيلة النقل المستحدثة في غزة؛ عربة بدائية صنعها حداد من قطع حديد ململمة، ألصق أسفلها دولابين مهترئين وغلّفها بشادر يبدو أنه حصل عليه من مساعدات "اليونيسف"، تجرها سيارة بزجاج أمامي مهشم وأجنحة وأبواب منبعجة، يعمل محركها باستخدام زيت الطبخ أو وقود مصنّع محليا.
انطلقت السيارة تهوي على إطاراتها المتخلخلة، من وسط القطاع باتجاه مدينة غزة تحمل ركابا من مختلف الأعمار، تسير ببطء، ومن خلفها عربات وكارات أخرى، في طابور بطيء يتثنى كالأفعوانة بين المطبات والحفر. اقتربت من وادي غزة، وقفت امرأة وأطلت برأسها من فتحة الشادر التي تسمى شباكا، جلست قليلا ثم وقفت ثانية وكأنها بانتظار حدث أو شخص ما.
مررنا بمنطقة يظهر منها موقع عسكري إسرائيلي جديد يكشف كل شيء، وقفت المرأة مرة أخرى تطل برأسها.
"اقعدي يا حجة بلاش يطخوا علينا"، قال أحد الركاب، قاصدا موقع الاحتلال. أصرت أنها تريد أن ترى موقع استشهاد ابنها. ظن الركاب أن ابنها "موسى الراجودي" من مخيم المغازي وسط القطاع الذي استشهد مع عمه وابن عمه قبل شهر وهو يلملم الحطب.
بقيت المرأة متسمرة أمام "الشباك" في مقدمة العربة، قطرات مطر تعصف بوجهها وبالركاب الذين تحرجوا الطلب منها إغلاق النافذة لأنها تتسبب في تيار بارد وأمطار.
وصلت العربة إلى نقطة محددة فقالت: "هنا"، قتلوه هنا الله يرحم روحك يمة.. وجلست تمسح دموعها والمطر من على وجهها.
امرأة تقابلها في العربة، طبطبت على كتفها وشدت على يدها وقالت، "قتلوا ابني وجوزي" وبكت. قتل الاحتلال زوجها حيدر حسان بعد أن قتل ابنها بـ 25 يوما في "مدرسة علي" بغزة، كما قالت.
وقتلت قوات الاحتلال أكثر من 600 فلسطيني في قطاع غزة منذ الإعلان عن وقف إطلاق النار في تشرين الأول/أكتوبر 2025. من مجمل أكثر من 72 ألف مواطن (حتى الآن) استشهدوا خلال العدوان الذي بدأ في السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023.
"لم يستشهد في المجاعة ولا في القصف استشهد بعد وقف إطلاق النار، هذا يقهرني أكثر"، قالت الأم.
وصلنا وادي غزة، أشار شاب وقال "أولاد عمي قُتلوا هنا وهم يحاولون الحصول على الطحين خلال المجاعة"، ففي هذا المكان كان نقطة "مؤسسة غزة الإنسانية" التي ذبحت المئات من الشبان وهم يحاولون التقاط الطحين.
قال الشاب، وهو من عائلة النباهين، كان برفقة أقارب له تسللوا للحصول على الطحين "كان الجو ضبابا تفاجأنا أننا خلف 6 جنود إسرائيليين، عدنا زحفا كالحرادين، تمزقت أيدينا ووجوهنا".
وقتلت قوات الاحتلال زهاء 800 جائع كانوا يحاولون الحصول على الطحين والغذاء من نقاط توزيع جنوب ووسط وشمال القطاع، وفقا لمصادر محلية، أغلبهم في مرحلة التجويع الشديد (من آذار/مارس إلى تشرين الأول/ أكتوبر 2025).
الحديث عن قتل الجياع استفز كثيرا من الركاب، وكأنهم كانوا بانتظار الصاعق كي ينطلقوا في الحديث. طارق عاشور من مخيم البريج، قال إنه في تموز/يوليو الماضي كان متوجها لنقطة التوزيع في مجموعة تشكّلت "عشوائيا" من شباب المخيم، وهم في طريقهم هناك، وصلوا وادي غزة ففتحت "أبواب جهنم"، إطلاق نار من جنود الاحتلال، أصيب رفيقه برصاصة اخترقت بطنه وصدره، نقله لوحده إلى وحدة الإسعاف الميدانية ثم عاد يبحث عن الطحين. "كنّا جوعانين... عندما أتذكر أستغرب كيف خاطرت لكن هو الجوع جعلنا مجانين" قال عاشور.
الشاب أيوب المقادمة استذكر صديقة وقال: "كنت مع صديقي محمود القلقيلي، قتلوه قبل أن نصل، نقلته لوحدي وكانت آخر مرة أذهب هناك".
الحديث عن التجويع استفز علي عواجة، رجل من شمال غزة يقيم في الوسط حاليا، كان متوجها لمدينة غزة لاستلام مساعدة غذائية "كابونة" من منظمة إنسانية، قال إنه أكل العشب المر في موجة التجويع الأولى لشمال القطاع.
عندما كان في مخيم جباليا "قرصه الجوع" فتوجه لمستشفى الشهيد كمال عدوان بحثا عن أي فتاتة، لكن لم يكن هناك سوى القليل من الطعام للمصابين والمرضى والطاقم الطبي. "كنّا مش عارفين كيف نموت من الطخ ولا القصف على المستشفى ولا الجوع،" قال عواجة.
وأشار إلى أن قوات الاحتلال كانت تطالبهم بمغادرة المستشفى، لكن معظم من يخرج استهدفوه في الطريق، في النهاية آثر هو وثلة من الشبان على المغادرة بحثا عن طعام، فاستغلوا ليلة ماطرة لتجنب رصدهم من طائرات الاستطلاع ثم توزعوا كل لمبتغاه، وتوجه هو لجنوب القطاع.
قال إنه مشى يتدعثر في الركام وربما الجثث والحفر وسط الظلام والبرد، ينزل صاروخ بين الفينة والأخرى ولا يعرف أين، كل ما يراه وهج أبيض أو أصفر وتصله شظايا وهو يمشي غير قادر على الجري بسبب الجوع، كل ما يفعله هو أن يرتمي أرضا... وصل إلى مدرسة زينب في جباليا التي كانت تعج بالعائلات النازحة.
لم يجد كسرة خبز، والعائلة التي لديها بعض الطعام تخزّنه لأطفالها، ولم يكن هناك متسع حتى للتمدد والارتياح، جلس هو ومجموعة من الرجال في زاوية لا يستطيع أحد منهم أن يمد ساقيه، فجأة وصل القصف المدرسة.
"القذائف ضربت المدرسة، استشهد مواطنون وتناثر لحم الشهداء والجرحى على الأرض وفي ساحة المدرسة، لا تعرف من الشهيد ومن الجريح، الجميع يصرخ والجميع يستنجد لكن تستنجد بمن؟ لا إسعافات ولا شبكة اتصال، ولا أحد يجرؤ أن يصل باب المدرسة كي يهرب، من يتحرك يموت".
لم يستطع عواجة المكوث في المدرسة ولم يستطع مواصلة طريقه لجنوب القطاع ولم يستطع العودة إلى مستشفى كمال عدوان فعاد لدهاليز مخيم جباليا.
***
على امتداد طريق صلاح الدين انتشر حطابون ومواطنون بين الكثبان الرملية وأكوام الركام ينقبون عن الحطب في ظل شح غاز الطبخ بفعل قيود الاحتلال على غزة.
المكان ليس آمنا بالطبع، فموقع الاحتلال الذي تسطع منه إنارة ليل نهار في غزة المظلمة لا يتوقف عن إطلاق النار بين الفينة والأخرى على كل شيء. وهذا خطر على المركبات العابرة أيضا.
أما المكعبات الصفراء (علامة الخط الأصفر) فتقترب رويدا، الأمر الذي يضيق مساحة القطاع عما اتفق عليه... بداية إعلان وقف إطلاق النار لم يكن باستطاعة المارة رؤية المكعبات، لكن حاليا تراها قريبة منك لأن قوات الاحتلال أزاحتها أكثر من مرة، وباتت علامة للرعب. فمن يقترب منها يموت.
يمتد طريق صلاح الدين من رفح جنوبا إلى بيت حانون شمالا، حوالي 45 كم، على جانبي الطريق كان يتزين ببساتين الحمضيات والزيتون، أو مبان سكنية وتجارية، أما الآن فالخراب هو المشهد الوحيد على الجانبين. وكلما اقتربت المركبة من حي الزيتون المطحون كلما ازداد الدمار.
بقايا عمارات سكنية وفيلات فخمة ومخازن أغذية وورشات ميكانيكا وتصليح سيارات ومطاعم ومشاغل محلية كلها تحولت إلى أكوام من الخراب. وجزء منها قصفه الاحتلال حتى بعد إعلان وقف إطلاق النار.
بعض العائلات نصبوا خياما تؤويهم بجانب ركام بيوتهم، آخرون استصلحوا جزءا من بيوتهم ليسترهم رغم خطر الانهيار. ومنذ إعلان وقف إطلاق النار انهار 48 منزلا متضررا على رؤوس ساكنيه ما أدى لاستشهاد 19 مواطنا، ناهيك عن عشرات المنازل التي انهارت بشكل جزئي، وفقا لفرق الإنقاذ.
على أطراف بعض الشوارع يتكرر مشهد، عشرات الفتية والرجال والأطفال والنساء يتزاحمون على شاحنة تحمل صهريج مياه مجاني من مؤسسات خيرية يرافقه فريق تصوير "للتوثيق" وعيون العطشى المتشككة مصوّبة نحوهم.
ويعاني قطاع غزة من نقص في المياه بسبب تدمير قوات الاحتلال لآبار مياه وشبكات وخزانات مياه الشرب خلال العدوان، وقالت مصادر في "الحكم المحلي" إن زهاء 80% من سكان القطاع لا يستطيعون الوصول لمياه نظيفة".
وقال المقرر الخاص للأمم المتحدة المعني بالحق في مياه الشرب، بيدرو أروخو أغودو، في تصريحات صحفية الأسبوع الماضي، إنه يتفق مع التقارير الدولية التي تقول إن إسرائيل تستخدم المياه كسلاح في الحرب. وأكد أغودو أن نحو 90% من محطات تحلية وتطهير المياه في غزة دُمرت أو تضررت.
من بين الأزقة بعض الشبان يحملون اسطوانات غاز الطبخ على أكتافهم، إما لاستلام حصتهم (8 كغم) التي تصلهم مرة كل عدة أشهر أو لشراء ما تيسر بعد أن انخفض ثمن الكيلو الواحد إلى 80 شيقلا في غزة (25 دولارا أميركيا).
كان أحد الركاب من عائلة الفرا في حالة وجوم، معظم الطريق، يجلس على طرف العربة ويطل برأسه من وراء الشادر ينظر حوله في ذهول، لم يتوقف عن السؤال: أين نحن؟
وصلنا البريج؟ وصلنا نتساريم (مفترق الشهداء)؟ وصلنا دوار دولة؟ وصلنا حي الزيتون؟ أين الكنيسة؟ ما هذا المكان؟
سأله راكب ما إذا كان المشوار الأول له من الجنوب للشمال فأجاب بالإيجاب. "عدت من مصر منذ يومين ومعي علبة دواء أمانة سأوصلها لمريض يرقد في المستشفى الأهلي العربي (المعمداني)... كم رأينا صور في التلفاز لم أتخيل أن الدمار بهذا الشكل،" قال.
وصلت العربة إلى ميدان فلسطين وسط مدينة غزة، وانشغل الركاب في الصدام اليومي بينهم وبين السائق بسبب نقص في السيولة و"الفكة"، فليس لدى الركاب فكة، وهو يرفض استلام أوراق نقدية مهترئة، وإن استلم فليس لديه فكة، أزمة يومية مع السائقين والمحال التجارية لا تنتهي سببها منع قوات الاحتلال دخول الأوراق النقدية لغزة.
ــــ
/ع.ف


