أهم الاخبار

بين الركام وصوت الطبل الغائب… المسحراتي في خيام غزة يحرس ما تبقى من روح رمضان

المسحراتي نزار الدباس (53 عاما) في صورتين قبل الحرب وبعدها
المسحراتي نزار الدباس (53 عاما) في صورتين قبل الحرب وبعدها


غزة 2-3-2026 وفا- محمد دهمان

تعد مهنة "المسحراتي" واحدة من أعمق التقاليد الرمضانية جذوراً في الوجدان الشعبي الإسلامي؛ إذ لم تبدأ كمهنة منظمة، بل كعادة بسيطة لإيقاظ النائمين للسحور، قبل أن تتطور عبر العصور إلى فن شعبي له أدواته وأهازيجه وطبوله وإيقاعه الخاص، الذي يحفظه الصغير قبل الكبير.

وإذا أردنا الحديث عن المسحراتي بشكله الأقرب إلى المهنة المعروفة اليوم، فإن بداياته المنظمة تعود إلى مصر خلال العصر العباسي، ومنها انتشرت إلى بلاد الشام، ثم إلى بقية أنحاء العالم الإسلامي، مع اختلافات في الأساليب والأنغام تبعاً للبيئة والثقافة المحلية.

وقبل شيوع فكرة المسحراتي في بعض مناطق الجزيرة العربية، كان المسلمون يُنبَّهون للسحور عبر الأذان الأول، ثم يُرفع الأذان الثاني موعداً للإمساك وصلاة الفجر، وهي سنّة لا تزال قائمة حتى يومنا هذا.

وتطور الأسلوب من مجرد نداء عابر في الأزقة إلى أداء فني يستخدم الطبلة والفانوس والابتهالات، وأصبح للمسحراتي حضور اجتماعي خاص، حيث كان يتلقى الهدايا والعطايا الرمزية من الأهالي، ويجمع "العديات" النقدية مع اقتراب عيد الفطر، إضافة إلى الملابس والطعام، في مشهد يعكس عمق العلاقة بينه وبين الحي الذي يجوب أزقته كل ليلة.

من أزقة قيزان النجار إلى خيمة في المواصي

المسحراتي نزار الدباس (53 عاما)، فقد منزله في منطقة قيزان النجار جنوب خان يونس، وأصبح يقيم مع أسرته المكونة من تسعة أبناء في خيمة بمواصي خان يونس.

ويقول الدباس لمراسل "وفا" إنه يمارس التسحير منذ نحو 25 عاما، منذ أيام إقامته في سوريا وحتى قدومه إلى غزة، مضيفا: "بالنسبة لي هو تراث وهواية وعادة رافقتني منذ الصغر، كنت أعتبره رسالة اجتماعية لوجه الله تعالى، بلا مقابل".

ويستذكر الأجواء قبل الحرب قائلاً: "كانت الشوارع مضاءة، الفوانيس تزين البيوت، والأطفال يخرجون معي حاملين أنوارهم الصغيرة، نحيي الحي بأسمائه وبيوته، وننشد لكل عائلة باسمها".

ويتابع بحزن: "لا إنارة في الشوارع، لا بيوت، ولا حتى طبلتي أو لباس المهنة بقي منها شيء. أشعر بالحزن والقهر، خاصة حين أنادي على بيوت لم تعد موجودة، أو أستذكر أصحابها الذين استشهدوا".

ورغم الخسارة، يؤكد الدباس أنه لم يفكر يوماً بالتوقف، قائلاً: "لن أستغني عنها مدى الحياة، لأنها هوايتي وعادتي، وأحب عمل الخير، خاصة في شهر الخير والبركة. رسالتي لأهلنا الصبر والصمود، وأن يفرجها الله علينا".

بين الخيام… صدمة المسحراتي

أما فرج أبو ناجي (30 عاما)، من سكان شمال قطاع غزة ودمر بيته ويقيم الآن بخيمة بجانب منزله المدمر، فيحمل حكاية أخرى مع الطبل الذي صمت قسراً.

ويقول: "منذ أكثر من عشر سنوات وأنا أمارس عادة التسحير، ومع الوقت شعرت أنها من واجباتي الأساسية في رمضان، لكن هذا هو شهر رمضان الثالث الذي لا أمارس فيه التسحير كما كنت".

ويشير إلى أن أجواء القصف خلال السنتين الماضيتين حالت دون خروجه، ومع ما وُصف بهدنة هذا العام خرج بين الخيام ليؤدي مهمته، إلا أن المشهد كان صادماً.

ويضيف: "وجدت الناس مستيقظين يتساءلون: ماذا سنتسحر؟ لا طعام، لا تمور، لا أجبان، لا حلويات. أنادي على البيوت التي صارت ركاماً، وأسماء أصحابها الذين استشهدوا أو نزحوا بعيداً. كنت أعود قبل الحرب محملاً بالهدايا، واليوم عدت محملاً بالوجع وهموم الناس".

ويتابع: "قررت أن أعتزل التسحير مؤقتاً. الناس لا تنام من شدة البرد وقلة الزاد، فكيف أوقظهم؟".

نوال فروانة… رمضان بلا بيت

في خيمة بمواصي خان يونس، تعيش نوال فروانة مع زوجها وأبنائها الثلاثة بعد تدمير منزلهم.

وتقول لمراسل "وفا": "كنّا نستقبل رمضان بأيام، نتسوق الزينة والفوانيس، نعلقها في البيت، وننتظر إعلان دار الإفتاء. كانت الحارة تضيء، والأغاني تملأ المكان، ونستيقظ على صوت المسحراتي الحنون".

وتتابع بحسرة: "اليوم استبدلنا البيت بخيمة، والكهرباء بعتمة نضيئها بكشاف الجوال. السحور أصبح متعباً، نأكل أي شيء هرباً من البرد. فقدنا صوت المسحراتي الذي كان عنوان الفرح".

وتضيف: "نحاول إسعاد أطفالنا بفوانيس نصنعها من علب الألمنيوم بلا إضاءة. الحياة هنا بائسة، نفتقد رمضان الذي عرفناه".

عطا القصاص… سفرة واحدة صارت ذكرى

عطا محمود القصاص، أب لأربعة أبناء وثلاث بنات، كانوا يسكنون جميعاً في عمارة واحدة برفح، يجتمعون على سفرة واحدة في رمضان، تتقاسمها زوجات الأبناء بأطباقهن المختلفة.

ويتحدث لمراسل "وفا" والدموع تملأ عينيه: "كان رمضان جمعة وتآلفاً، نزور الأقارب معاً، وحيّنا يكتظ بالزينة والسهرات بعد التراويح. النساء يتابعن المسحراتي من الشرفات، والرجال يدعونه للسحور".

لكن الحرب فرّقت العائلة بين قيزان رشوان، ودير البلح والمواصي، وفقد القصاص اثنين من أبنائه، رشاد ثم شادي ابنه البكر وسنده خلال ثلاثة أشهر، تاركين وراءهما سبعة أطفال.

ويقول بصوت مثقل: "أبكي بعد الفجر شوقاً لهما، وأسمع بكاء أمهما مع المغرب. لم تعد لرمضان نكهته. حياتنا تمضي كتمضية وقت. وأحزن بشدة عندما يقول لي أحد كل عام وأنت بخير".

وبين خيمة وأخرى، وبين صوت طبلة غائب وأسماء بيوت تحولت إلى ركام، يقف المسحراتي في غزة شاهداً على تبدل المعنى. لم يعد دوره مجرد إيقاظ النائمين للسحور، بل محاولة إحياء ذاكرة جماعية مهددة بالانطفاء.

ورغم كل ما تبدل، ما زال بعض الأطفال يخرجون خلف المسحراتي، ولو بخطوات خجولة، وكأنهم يتمسكون بخيط رفيع يصل حاضر الخيام بماضٍ كانت فيه الحارات مضاءة، والبيوت عامرة، وصوت الطبل إعلانا لفرح كان هنّا يوما.

ــــ

/ع.ف

مواضيع ذات صلة

اقرأ أيضا