غزة 7-3-2026 وفا- صفاء البريم
في الثامن من آذار، اليوم العالمي للمرأة، وبينما تحتفل نساء العالم بإنجازاتهن، تخوض المرأة الفلسطينية في غزة معركة وجودية مختلفة تماماً.
مع دخول حرب الإبادة التي يشنها الاحتلال الإسرائيلي على قطاع غزة عامها الثالث، تتحول آلاف النساء إلى "أم وأب ومعيلة" بعد أن قتل الاحتلال أزواجهن، ليصبحن العمود الفقري لأسر متفككة في خيام لا تكفي عقب قيام آلة الاحتلال بتدمير البيوت وإجبار سكانها على النزوح والعيش في خيام.
وتقدم المرأة الفلسطينية نموذجاً فريداً للنضال من أجل الحياة ومن أجل البقاء؛ فهي تخوض معارك يومية من أجل توفير لقمة العيش لأطفالها، ومن أجل رعاية الجرحى والمصابين ومن أجل الحفاظ على صحتها النفسية في وجه الانهيار، كما يقول مختصون.
في خيمتها المهترئة جنوب قطاع غزة، تقول أم يسري (42 عاماً) وهي تحاول إشعال النار لتحضير رغيف الخبز لأطفالها الأربعة، إنها لم تكن تتصور قبل عامين أن تصبح هي المعيلة الوحيدة لأسرتها بعدما استشهد زوجها في قصف استهدف منزلهم في غزة.
ويعاني قطاع غزة وفقا لمصادر محلية من أزمة حادة في غاز الطهي نتيجة منع الاحتلال إدخاله منذ بدء العدوان على غزة، فيما تسمح سلطات الاحتلال حاليا وبعد إعلان وقف النار في تشرين الأول/أكتوبر الماضي بدخول ست شاحنات أسبوعيا، بمعدل 120 إلى 150 طنا في أفضل الأيام، وهي كمية غير كافية وتزيد من معاناة المواطنين وخاصة المرأة الفلسطينية التي تضطر إلى استخدام الحطب كبديل. وتوقفت هذه الكميات الضئيلة عن الدخول إلى القطاع عقب الهجوم الأميركي الإسرائيلي على إيران، في 28 شباط/فبراير الماضي.
وتتابع أم يسري وهي تمسح الدموع عن وجهها المتعب: "كنت في السابق مسؤولة عن التربية فقط، أما الآن فأنا الأم والأب والمعيلة".
وتضيف بقولها "أسير مسافات طويلة لجلب الماء، وأجمع الحطب من تحت الأنقاض، وأخبز على النار في عز البرد.. أولادي الأربعة ينتظرون مني الحياة وأنا أقاتل الموت كل يوم".
ويعاني قطاع غزة من نقص في المياه بسبب تدمير الاحتلال لآبار المياه وشبكات وخزانات مياه الشرب خلال عدوانه على القطاع.
كما تشير أحدث التقديرات الصادرة عن الأمم المتحدة إلى أن أكثر من 1.1 مليون شخص (ما يعادل حوالي نصف سكان القطاع) ما زالوا يعيشون في خيام وملاجئ مؤقتة بعد أن قام الاحتلال بتدمير بيوتهم، وعقب مرور أشهر على إعلان وقف إطلاق النار.
حالة أم يسري تعكس واقع آلاف النساء الفلسطينيات اللواتي يخضن معركة يومية من أجل البقاء، في ظل حرب الإبادة التي يشنها الاحتلال منذ تشرين الأول/اكتوبر 2023
.
وكشف الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني عن حصيلة ثقيلة للعدوان المستمر، حيث قتلت قوات الاحتلال 72,120 فلسطينيا، بينما أصيب 171,802 منذ بدء العدوان. ومن بين الشهداء، 18592 طفلا و12400 امرأة.
وتقف ميرام ماضي (35 عاماً) بجانب خيمتها في مواصي خان يونس، بعد أن تنقلت بين شمال القطاع ووسطه وجنوبه أكثر من عشر مرات بسبب أوامر الإخلاء التي يصدرها الاحتلال لقصف المدن والقرى في غزة، لتقول: "لم نكن نجد المأوى الآمن بسهولة، ولا الخيمة التي تظللنا، حتى اضطررت في إحدى المرات للإقامة في مخيم لا تتوفر فيه أهم أسس الحياة الطبيعية: المياه والمرافق الصحية".
ميرام هي واحدة من 21,193 امرأة فلسطينية أصبحن أرامل بعد فقدان أزواجهن في حرب الإبادة. وهنّ اليوم وفقا لمصادر محلية المعيلات الوحيدات لنحو 56,348 طفلاً يتيماً فقدوا والديهم أو أحدهما.
وتشير تلك المصادر إلى أن واحداً من كل سبعة بيوت في غزة تعيله امرأة، ما يعكس اتساع دائرة المسؤولية الملقاة على عاتق النساء اللواتي يتحملن أعباء إعالة أسرهن في ظروف قاسية.
نعيمة زعرب، التي نزحت برفقة عائلتها من مدينة رفح الى مواصي خان يونس، تستذكر أصعب اللحظات: "كثيراً ما كنت أفتقد زوجي خاصة وقت العواصف وسقوط المطر، فقد غرقت خيمتي عدة مرات وأطفالي نيام، كما أنها كادت تسقط على رؤوسنا بعدما اقتلعتها الرياح من مكانها".
وتؤكد سلوى طه )35 عاماً)، التي استشهد زوجها مطلع الحرب، كيف تدفعها المسؤولية لكتم خوفها أمام أطفالها الأربعة: "أحتضنهم وأحاول إشعارهم بالأمان رغم الخطر الذي يحيط بنا، بطبيعتي أخاف من أصوات القصف والصواريخ خلال الغارات التي تشنها قوات الاحتلال علينا، لكن بقائي وحدي مع صغاري يدفعني للتماسك كي لا ينهاروا".
تتابع بقولها "لا وقت لدينا للحزن أبدا فقد فقدت اثنين من اخوتي وابن أخي لكن أمنع نفسي من التفكير بهم كي لا أصاب بالجنون وحتى لا أنهار وتنهار أسرتي من حولي".
وبحسب ورقة أصدرتها وزارة شؤون المرأة، تعاني 75% من النساء في قطاع غزة من الاكتئاب، و62% من الأرق، و65% من القلق المستمر.
وتضيف أن النساء في غزة يعشن "حالة من اليأس الكبير، والإعياء الشديد، والأمل الهش"، مشيرة إلى أن غالبية النساء أجبرن على النزوح 4 مرات على الأقل، ويعشن الآن في واقع لا يوفر لهن "مكاناً يذهبن إليه ولا غذاء ولا استقراراً".
وتقول سميرة زملط )40 عاماً)، التي تعتني بوالد زوجها الكفيف إلى جانب أطفالها الثلاثة: "أساعده على الحركة داخل المنزل، وأرافقه إلى العيادة الصحية، وأعمل على توفير احتياجاته من الدواء والعلاج، ومساندته في أبسط تفاصيل حياته اليومية، كل ذلك إلى جانب مسؤوليتي تجاه أطفالي الثلاثة في التخفيف عنهم آثار فقدهم لوالدهم وتأمين ما استطعت من احتياجاتهم الأساسية من ماء وغذاء وتعليم".
وتابعت: "أصبحت حياتنا معقدة، يذهب جل يومنا ونحن ما بين إشعال النار وطابور المياه وغسيل الملابس، دون أن أجد وقتاً للراحة أو حتى الجلوس مع أطفالي الصغار".
ــــ
/ع.ف


