نابلس 15-4-2026 وفا- بسام أبو الرب
انطلقت الدعاية الانتخابية للقوائم المسجلة لخوض انتخابات البلديات والمجالس القروية 2026، في الأراضي الفلسطينية، وذلك في العاشر من نيسان الحالي، حسب ما حددته لجنة الانتخابات المركزية، وسط استخدام للفضاء الإلكتروني ومنصات التواصل الاجتماعي "سوشال ميديا"، بشكل ملاحظ، وبنسبة كبيرة خلافا لما هو متعارف عليه في استخدام الوسائل التقليدية كما في الحملات الدعائية في الأعوام السابقة.
وأعلنت لجنة الانتخابات المركزية أن عدد المسجلين للانتخابات المحلية في السجل الانتخابي بلغ قرابة مليون وأربعمئة ألف. وهي تسجيل الناخبين في 420 مجلسا قرويا وبلديا للانتخابات المحلية المقررة يوم 25 نيسان/ إبريل المقبل.
ويرى كثيرون أن استخدام مواقع التواصل الاجتماعي وأدوات الذكاء الاصطناعي فرصة للوصول إلى أكبر قدر من الجمهور في كل الأوقات والأماكن، إضافة إلى كونه أقل تكلفة من الحملات الدعائية التقليدية، ويساعد على تحليل البيانات.
وفي تقرير تحت عنوان: "هل يمكن للذكاء الاصطناعي التأثير على الانتخابات؟" الذي نُشر بتاريخ 07/06/2024 على موقع مركز المعلومات الإقليمي لأوروبا الغربية، التابع للأمم المتحدة، أكد "أن التطورات الحديثة في مجال الذكاء الاصطناعي، ولا سيما الذكاء الاصطناعي التوليدي مثل ChatGPT (من OpenAI) وCopilot (من Microsoft)، قد يكون لها تأثير غير مسبوق في العملية الانتخابية. تُتيح هذه الابتكارات الرقمية فرصًا لتحسين كفاءة العملية الانتخابية ومشاركة الناخبين، ولكنها تُثير أيضًا مخاوف بشأن إمكانية إساءة استخدامها. يُمكن استخدام الذكاء الاصطناعي لتسخير البيانات الضخمة للتأثير في قرارات الناخبين. إن قدرته على شن هجمات إلكترونية، وإنتاج فيديوهات مُزيّفة، ونشر معلومات مُضلّلة، قد تُزعزع استقرار العمليات الديمقراطية، وتُهدّد نزاهة الخطاب السياسي، وتُقوّض ثقة الجمهور".
لكن إذا ما تم إسقاط هذا التحول على الحالة الفلسطينية، كيف سيساعد هذا التحول نحو الرقمي في العملية الدعائية؟، وما تأثيرات ذلك في الانتخابات، وما القوانين الناظمة والضابطة لذلك، وما الذي تقوم به لجنة الانتخابات لفرض الرقابة على منصات التواصل الاجتماعي، وما التحديات التي تواجهها بهذا الشأن؟
الناطق باسم لجنة الانتخابات المركزية فريد طعم الله قال: "إن قانون الانتخابات المحلية الجديد لا يتحدث بشكل صريح عن مراقبة الدعاية الانتخابية، في ظل استخدام الذكاء الاصطناعي، لكن يشمل مراقبة الدعاية الانتخابية على منصات التواصل الاجتماعي، والمنشورات الرقيمة ضمن ضوابط الدعاية الانتخابية، ما يعني أن ما ينطبق على "السوشال ميديا" ينطبق على ضوابط الدعاية الانتخابية بشكل عام، ولجنة الانتخابات مسؤولة عن الالتزام بضوابط الدعاية الانتخابية، وأية مخالفات يتم توجيه إنذارات إلى المخالفين، ولها الحق في إحالة المخالفات إلى النيابة العامة حسب القانون".
وأضاف في حديث خاص لوكالة "وفا"، أن لجنة الانتخابات لديها فرق تراقب وسائل التواصل الاجتماعي، وأيضا هناك تحالف للتحقق من المعلومات والأخبار المضللة مع عدد من مؤسسات التحقق، وقد شُكل بالتعاون مع منصة التحقق الفلسطينية، وهناك المراقبون المحليون وأيضا المرشحون أنفسهم الذين يقدمون شكاوى إلى اللجنة، وأيضا المواطنون الذين يمكنهم تقديم شكاوى ومراقبة أحكام الدعاية الانتخابية في حال وجود أي خرق عليها، أيضا اللجنة نفسها لديها منصات للتواصل الاجتماعي، وتنشر كل ما يتعلق بضوابط الدعاية الانتخابية من خلال منصاتها على وسائل التواصل الاجتماعي".
وتابع طعم الله: "كون لجنة الانتخابات تراقب الحملات الانتخابية بنفسها وعبر الشركاء وهناك مخالفات، وقد وصل إلينا عدد من الشكاوى، وأول إجراء نقوم به هو التواصل مع القائمة أو المرشح المخالف، لنطلب منه الامتناع عن ذلك وتصحيح الخلل، وحتى الآن لم يتم التوجه إلى النيابة بخصوص أي مرشح، واللجنة تحرص دائما على عدم الوصول إلى المحاكم قبل استنفاد الفرص الودية في التعامل مع المرشحين والقوائم".
وأوضح أن جزءا من المخالفات تمثل في استخدام الدعاية قبل الوقت، أيضا مخالفات في استخدام البلديات في الدعاية الانتخابية، كونها أماكن عامة محظورا استخدامها، وهذه تم التعامل معها جميعا.
وأشار طعم الله إلى أن أهم التحديات التي تواجهها لجنة الانتخابات في مراقبة الحملات عبر منصات التواصل الاجتماعي، أنه لا يمكن للجنة رصد كل منصات التواصل الاجتماعي، كون كل مواطن عبارة عن منصة إعلامية أو رقمية، موضحا أن اللجنة تركز أكثر على الهيئات الحزبية وصفحات القوائم، والأهم أنه في يومي الصمت الانتخابي والاقتراع حسب القانون تُمنع الدعاية الانتخابية، ولا يمكن فرض هذا الصمت على وسائل التواصل الاجتماعي، لأن هناك منشورات ممولة ولا يمكن وقف انتشارها بين الناس، وهذا تحدٍ كبير.
وأكد أن الأخبار المضللة والكاذبة تُعتبر تحديا كبيرا آخر، لكن اللجنة تتعاون مع شركة "ميتا" بشكل مباشر في هذا الموضوع، إضافة إلى منصات التحقق التي تساعد على رصد أي أخبار كاذبة أو مضللة أو أية خطابات عنصرية أو فيها كراهية.
وبين طعم الله أنه خلال هذه الانتخابات لوحظ لجوء المرشحين أو القوائم إلى وسائل التواصل الاجتماعي أكثر من الأنشطة الميدانية، التي تتمثل في ورشات العمل والندوات واللقاءات الجماهيرية والمناظرات، لكن هناك تحولا كبيرا نحو وسائل التواصل الاجتماعي في الدعاية الانتخابية، وأيضا في حملات التوعية والتثقيف التي تنجزها اللجنة للناخبين.
ويُعدّ انتشار المعلومات المضللة أحد المخاطر الناجمة عن الذكاء الاصطناعي، حسب تقرير الأمم المتحدة؛ إذ يُمكن استخدام تقنية التزييف العميق (Deepfakes)، وهي عبارة عن مقاطع صوتية ومرئية وصور واقعية للغاية، ولكنها مزيفة لتضليل الناخبين وتقويض الثقة بالعملية الانتخابية. ويمكن لهذه التقنية أن تجعل الأفراد يبدون وكأنهم يفعلون أو يقولون أشياء لم يفعلوها قط. وكما أكد الأمين العام للأمم المتحدة، فإن الهجمات الإلكترونية التي تُنفذ باستخدام الذكاء الاصطناعي على البنية التحتية الحيوية قد تُؤثر بشكل خطير في السلام والأمن العالميين، نظرًا لانخفاض الحواجز التقنية والمالية أمام الوصول إلى أدوات الذكاء الاصطناعي.
مدير المرصد الفلسطيني "تحقق" وعضو "تحالف التحقق من المعلومات والحقوق الرقمية للانتخابات" بكر عبد الحق، قال: إن "موضوع التحول الرقمي في الدعاية الانتخابية أصبح تحديا؛ لأن التركيز في السابق في عصر الاتصال الجماهيري كان منصبّا بشكل أساسي على الدعاية التقليدية الورقية "البوسترات" واللوحات الإعلانية والبث التلفزيوني والإذاعي، لكن اليوم أصبحت منصات التواصل الاجتماعي هي الأبرز، حيث يتم التركيز عليها بشكل أكبر، وبالتالي خلق هذا تحديا فيما يتعلق بموضوع المتابعة، ففي السابق كانت لجنة الانتخابات من خلال فرقها الفنية تتابع المخالفات وتصدر التعليمات لممثلي القوائم من أجل الالتزام بما ينص عليه القانون بشأن الدعاية، لكن اليوم على سبيل المثال لا تسطيع وقف التفاعل بعد انتهاء الدعاية ويوم الصمت الانتخابي، كون المنصات موجودة ويبقى المحتوى موجودا، ولا يوجد ما يلزم أو يدعو القوائم إلى حذف صفحاتها بعد انتهاء الدعاية الانتخابية".
وأضاف في حديث لوكالة "وفا"، "أن التحول الرقمي أفرز تحديات أخرى متعلقة بالتضليل وبالدعاية المحوسبة وبالانتشار الفيروسي للمعلومات وبخطاب الكراهية، بالتالي طبيعة هذه المنصات وطبيعة عملها سواء بنيتها المرتبطة ب"الخوارزميات"، وسرعة الانتشار أو حتى مبدأ المجهولية، أي أن شخصا يستطيع أن ينشئ حسابا أو صفحة وهمية ويهاجم قوائم أو مرشحين، وهذا يؤثر في سلامة أجواء الانتخابات، وهو تحدٍ آخر يتطلب جهودا مضاعفة، ومن هنا جاءت فكرة إنشاء تحالف لتدقيق المعلومات والحقوق الرقمية بادرت لجنة الانتخابات إلى إنشائه، ويضم أربع منصات رئيسية في فلسطين، وهي: المرصد الفلسطيني "تحقق" و"تيقن" و"صدى سوشال"، ومركز "حملة".
وتابع عبد الحق "أن هذا التحالف يعمل في اتجاهين: أولهما ضمان ممارسة الناخب والمرشح على حد سواء ممارسة إعلامية حرة في الفضاء الرقمي دون قيود، خاصة قيود المحتوى التي تتتبعها منصات التواصل الاجتماعي، وثانيهما المطالبة بالاعتراف بالحدود أو بالحقوق الرقمية الفلسطينية، خاصة من شركة "ميتا" لأننا كنا نعاني مشكلة متعلقة بمسألة الترويج أو جغرافيا التسويق".
وأكد أن التحديات الأخرى متعلقة بخطاب الكراهية والتضليل مثل نشر المعلومات المضللة عن القوائم أو حتى الشتم والتحقير والوصم السياسي والاجتماعي، وكل هذه الممارسات يرصدها هذا التحالف. وقال: "أيضا بمنعزل عن تحالف التحقق من المعلومات والحقوق الرقمية للانتخابات، نتابع خطاب الكراهية من خلال شراكة بين "تحقق" و"راصد فلسطين"، وهو متعلق برصد خطاب الكراهية خصوصا المرتبط بالجندر أي المرشحات، بحيث يكون مرتبطا بقاعدة بيانات لكل التعليقات والمشاركات التي تضم خطاب الكراهية، بالتركيز على المرشحات، وسيكون هناك تقرير في نهاية الدعاية يشير إلى طبيعة المفاهيم التي تضمنت خطاب كراهية.
وأوضح عبد الحق أن هذا التحالف أثمر إطلاق مبادرة لرصد الوعود الانتخابية بالتحديد وهي ثلاث منصات (تحقق، تيقن، وصدى سوشال)، وسيتم توظيف الذكاء الاصطناعي في موضوع تحليل الوعود، وسيكون هذا في المؤشر أو المبادرة التي سيتم إطلاقها مطلع الأسبوع المقبل بشكل رسمي، بمعنى أنه سيتم تحليل الوعود بناءً على منهجية من خلال تدريب نموذج خاص بالذكاء الاصطناعي، تحت إشراف بشري من أجل ضمان عامل الدقة.
وأشار عبد الحق إلى أنه رغم التحديات في الدعاية الرقمية، فإن لها فوائد كونها أقل تكلفة بالنسبة إلى المرشحين والوصول بشكل أكبر وبطريقة إبداعية، موضحا أن الذكاء الاصطناعي يساعد في موضوع التسويق، وإنشاء المحتوى بطريقة إبداعية.
ويشار إلى أن الأمم المتحدة دعت في تقريرها إلى اتباع نهج شامل وتعاوني لحوكمة الذكاء الاصطناعي، يركز على وضع معايير عالمية ومبادئ توجيهية أخلاقية، وتطوير إستراتيجيات وطنية، وتخفيف المخاطر العالمية طويلة الأجل، ومعالجة فجوات المهارات، وتعزيز التعاون الدولي، ووضع أطر تنظيمية، ورفع مستوى الوعي العام.
ــــ
ب.ر/ي.ط


